صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
260
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
وبعد أن أخفقت قريش في العثور عليهما ، أعلنت عن مكافأة لمن يقتلهما أو يأسرهما ، وانقطع الطلب عنهما ، جاءهما الدليل ، عبد اللّه بن أريقط بعد ثلاث من بقائهما في الغار ومعه الراحلتان ، وكان معهما عامر بن فهيرة فانطلق الأربعة متوجهين إلى المدينة . ويبدو أنهما كانا يحسان برصد المشركين لهما ، يقول أبو بكر الصديق - رضي اللّه عنه - : « أخذ علينا بالرصد فأخرجنا ليلا » « 1 » . وقد تحدث أبو بكر الصديق عن بداية رحلة الهجرة النبوية فقال : « أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة ، وخلا الطريق فلا يمر فيه أحد ، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل ، لم تأت عليه الشمس بعد ، فنزلنا عندها ، فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانا ينام فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ظلها ثم بسطت عليه فروة ، ثم قلت : « نم يا رسول اللّه وأنا أنفض لك ما حولك ، فنام » . وهذا أول معجزة وقعت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في طريق الهجرة « 2 » . وذكر أبو بكر خبر قدوم راع مقبل إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أرادوا ، وعرف أبو بكر منه أنه رجل من أهل مكة ورضي أن يحلب لهم من شاة له وطلب منه أبو بكر أن ينظف الضرع قبل الحلب ، وكره أن يوقظ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليشرب ، فانتظره حتى استيقظ فشرب ثم أمر بالرحيل « 3 » . كان الرسول يردف أبا بكر معه على راحلته ، وكان إذا سأل أحد أبا بكر عن الرسول يقول : هذا رجل يهديني السبيل فيحسبه السائل دليلا لطريقه ، وإنما كان يكنّي عن سبيل الخير « 4 » . وحصلت المعجزة الثانية حين عصم اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وحماه من سراقة بن مالك ، الذي طلبهم طمعا في جائزة قريش . فقد علم سراقة بخبرهم من رجل من بني مدلج رآهم عن بعد وهم مرتحلون مع الساحل « 5 » . فاتّبعهم سراقة وهم في جلد من الأرض « 6 » . وينقل البخاري حديث سراقة حيث يقول : « وقد كنت أرجو أن أردّه على قريش فآخذ المائة الناقة . قال فركبت فرسي على أثره ، فبينما فرسي يشتد بي ، عثر بي فسقطت عنه ، قال فقلت ما هذا ؟ ! قال ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره . قال فأبيت إلا أن أتبعه . قال فركبت في أثره ، فبينما فرسي يشتد بي عثر بي فسقطت عنه ، قال فقلت ما هذا ! ، فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي ، وذهبت يداه في الأرض ، وسقطت عنه ، ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار قال : فعرفت حين رأيت أنه قد منع مني ، وأنه ظاهر قال : فناديت القوم ، فقلت أنا سراقة بن مالك بن جعشم انظروني أكلمكم ، فو اللّه لا أريبكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه . قال : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي بكر : « قل له وما تبغي منا ؟ » فقال له ذلك أبو بكر قال : قلت : تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك . قال :
--> ( 1 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 7 / 255 ) . ( 2 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 7 / 255 ) ، مسلم - الصحيح 4 / 2309 . ( 3 ) مسلم - الصحيح - 4 / 2309 من حديث البراء بن عازب ، وانظر كذلك البخاري الأحاديث ( 3917 - 18 ، 3652 ) وابن عبد البر - الاستيعاب 3 / 240 ، أحمد - المسند 1 / 154 - 155 ، الحاكم - المستدرك 3 / 8 وصححه عن حديث البخاري . ( 4 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 3911 ) ، ابن سعد - الطبقات 1 / 34 ، أحمد - الفتح الرباني 20 / 290 . ( 5 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 7 / 255 - 256 حديث 3906 ) ، مسلم - الصحيح 4 / 309 حديث 2009 . ( 6 ) مسلم - الصحيح 4 / 2309 .